ابن أبي الحديد
241
شرح نهج البلاغة
إلى هذا يخطب قاعدا ، والله تعالى يقول لرسوله : ( وتركوك قائما ) ( 1 ) . قال : وأول من قعد في الخطب معاوية ، وأول من أذن وأقام في صلاة العيد بشر بن مروان ، وكان عمال بنى أمية يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة ، ويقولون : هؤلاء فروا من الجزية ، ويأخذون الصدقة من الخيل ، وربما دخلوا دار الرجل قد نفق ( 2 ) فرسه أو باعه ، فإذا أبصروا الآخية ، قالوا : قد كان هاهنا فرس ، فهات صدقتها ، وكانوا يؤخرون صلاة الجمعة تشاغلا عنها بالخطبة ، ويطيلون فيها ، إلى أن تتجاوز وقت العصر ، وتكاد الشمس تصفر ، فعل ذلك الوليد بن عبد الملك ويزيد أخوه والحجاج عاملهم ، ووكل بهم الحجاج المسالخ معه والسيوف على رؤوسهم فلا يستطيعون أن يصلوا الجمعة في وقتها . وقال الحسن البصري : وا عجبا من أخيفش ( 3 ) أعيمش ! جاءنا ففتننا عن ديننا ، وصعد على منبرنا ، فيخطب والناس يلتفتون إلى الشمس فيقول : ما بالكم تلتفتون إلى الشمس ! إنا والله ما نصلي للشمس ، إنما نصلى لرب الشمس ! أفلا تقولون : يا عدو الله ، ان لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار ، وحقا بالنهار لا يقبله بالليل ، ثم يقول الحسن : وكيف يقولون ذلك وعلى رأس كل واحد منهم علج ( 4 ) قائم بالسيف ! قال : وكانوا يسبون ذراري الخوارج من العرب وغيرهم ، لما قتل قريب وزحاف الخارجيان ، سبى زياد ذراريهما ، فأعطى شقيق بن ثور السدوسي إحدى بناتهما ، وأعطى عباد بن حصين الأخرى ، وسبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري ، وبنت لقطري بن الفجاءة المازني ، فصارت هذه إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك ، واسمها أم سلمة ،
--> ( 1 ) سورة الجمعة 11 . ( 2 ) نفق فرسه ، أي مات . ( 3 ) الخفش بالتحريك : ضيق في البصر وضعف في العين . ( 4 ) العلج : الرجل القوي الضخم .